جدة : كتب ابراهيم الدوي
كان للمناسبات الاجتماعية طعمٌ مختلف، وللمجالس رونقٌ خاص. يجتمع الناس بقلوبهم قبل أجسادهم، فتتعالى الأحاديث الجميلة، وتُروى القصص، ويستمتع الجميع بأحاديث الكبار، ومداخلات المثقفين، ومشاركات الشعراء التي كانت بسيطة في ألفاظها، عميقة في معانيها، يطرب لها السامع وينصت لها الحاضرون، وكلٌ يفسر ما تحمله من معانٍ قريبة وبعيدة.
وكان أهل القرية يعيشون وكأنهم أسرة واحدة، يتقاسمون اللقمة، ويتعاونون في الشدائد، ويستقبلون الضيف وكأنه ضيف الجميع. فإذا نزل ضيف على أحدهم في الصيف أو غيره، شعر بأنه بين أهله لا في بيتٍ واحد فقط.
كما كانت المجالس عامرة بالمزاح والمرح والفكاهة، وتحديات المهارات الشعبية، وتبادل الأمثال التي تختصر تجارب السنين في كلمات قليلة تحمل من الحكمة أكثر مما تحمله صفحات طويلة من الكلام.
وكان للتراث الشعبي حضوره الجميل في تلك المناسبات، من ألعاب ورقصات وعرضات شعبية، ومحاورات شعرية يتقابل فيها الشعراء على قافية واحدة تمتد حتى نهاية الحفل، في مشهد يجمع المتعة والموهبة وسرعة البديهة، ويمنح المناسبة روحاً لا تُنسى.
أما اليوم، فقد أخذت الهواتف الذكية حيزاً كبيراً من تلك المجالس، فانشغل كثير من الحاضرين بشاشاتهم، وخفتت أصوات الأحاديث، وغاب جزء من ذلك الدفء الذي كان يجمع الناس ويقرب القلوب من بعضها البعض.
ومهما تغيرت الأزمنة، ستبقى تلك الذكريات الجميلة شاهدة على زمنٍ كانت فيه القلوب أقرب، والمجالس أكثر حياة، والناس أكثر حضوراً مع بعضهم البعض.

