جدة : كتب إبراهيم محمد الدوي
لم أكتب عن غرم الله بن فرحان لأنني سمعت عنه، بل لأنني عشت معه. ثلاثون عامًا من الصحبة كافية لأن تجعل الإنسان شاهدًا لا مادحًا، وقاضيًا لا متأثرًا. وأشهد أمام الله والناس أنني لم أعرف في حياتي رجلًا جمع صفات الخير كما جمعها أبو صادق.
كان يرى الغريب أمانة في عنقه، ويرى الضيف قدَرًا لا يُرد، ويرى الإنسان — أي إنسان — حقًا واجب الأداء. لم يكن يخرج بعد صلاة العصر ليتفقد أصدقاءه، بل ليبحث عن محتاجٍ وصل المدينة ولا يعرف أين يذهب، فيأخذه إلى بيته، ويطعمه مما يطعم أبناءه، ويسعى له في رزقه كما يسعى لولده.
وذات مرة جاءه أحد معارفه، ففتح له أحد أبنائه، وحين سُئل عنه قال ببراءة تختصر كل شيء: “راح يبحث عن ضيف.”
لم أرَ أكرم منه، ولا أصفى قلبًا، ولا أنقى سريرة. لم يعرف الحقد طريقًا إلى قلبه، ولم يعرف الخصام طريقًا إلى حياته. وكان يقول لي بثقة المطمئن: أحمد الله أني لا أعرف إنسانًا يكرهني، لأني لم أختلف مع أحد، ولم أظلم أحدًا، ولم أؤذِ قلبًا.
كان مقاولًا، لكنه في الحقيقة كان يبني كرامات أكثر مما يبني بيوتًا. كم من مدينٍ جاءه عاجزًا عن السداد، فخفف عنه، وتنازل عن ثلاثين وأربعين في المئة من حقه، لا مساومة بل رحمة، لا ضعفًا بل شهامة.
وفي السفر، كما في الحضر، كان رفيقًا نادرًا؛ معه تشعر أن الطريق أقصر، والهم أخف، والروح أوسع.
لهذا لقّبه الناس بـ حاتم الجنوب، بل حاتم زمانه ومكانه، ولم يبالغوا. لأن الكرم عنده لم يكن فعلًا عابرًا، بل طبعًا ثابتًا، ولأن إنسانيته سبقت عصره.
وفي يوم زواج ابنه رائد — الذي يحمل من أبيه سمت الرجال ونبلهم — حضر الشيوخ والأعيان والهامات من معارفه ومحبيه، كأنهم جاءوا لا ليشهدوا زواج شاب فحسب، بل ليجددوا العهد مع سيرة رجلٍ لا تُنسى.
غرم الله بن فرحان عاش كريمًا، ومات كريمًا، وترك خلفه فراغًا لا يملؤه أحد، وسيرة ستبقى ما بقي في هذه البلاد رجال يعرفون معنى الوفاء.
رحمك الله يا أبا صادق… كنت رفيق درب، وأعظم من ذلك كنت رجلًا كما ينبغي أن يكون الرجال

