خبراء إستراتيجيون ومحللون وأكاديميون يتوقعون أن تدخل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية في نفق مظلم خلال حكم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل قد يدفع إلى إعادة النظر في التحالفات القائمة بين الجانبين.
وأكدوا أن العلاقات بين الجانبين الأميركي والأوروبي ستشهد خلافات كبيرة في المرحلة المقبلة بشأن العديد من الملفات من بينها أمن أوروبا ووجود قوات أميركية داخل الاتحاد الأوروبي وأيضا بشأن قضايا الشرق الأوسط مثل الأزمة الليبية خاصة في ظل توقعات بقيام فرنسا وبريطانيا بعمليات عسكرية لمواجهة تنظيم «داعش» الإرهابي في ليبيا وهو ما سيرفضه ترامب.
وأشاروا إلى أنه من المتوقع أن تشهد تلك العلاقة تغييرات متصاعدة خاصة في إطار انهيار العولمة الليبرالية والتخوف الأوروبي من صعود اليمين المتطرف.
خلافات كبيرة
وبدوره، توقع الدكتور سعيد اللاوندي خبير العلاقات الدولية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام أن تشهد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية خلافات وتوترات كبيرة في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب خاصة وأن هناك خلافات في ملفات الهجرة غير الشرعية واللاجئين والأمن وغيرها.
وأضاف اللاوندي أن تصريح الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند بأن «ترامب» إذا استمر في سياسته الخارجية العدائية تجاه أوروبا سنعيد النظر في التحالفات مع الولايات المتحدة الأميركية.
وأوضح أن تلك الخلافات قديمة وأن تصريحات ترامب بشأن حلف الناتو جددت مخاوف الأوروبيين في ظل تصاعد العمليات الإرهابية خاصة في» فرنسا وألمانيا»، لافتا إلى أن فرنسا تمثل القوة السياسية في أوروبا وألمانيا تمثل القوة الاقتصادية، وأن الخلافات القديمة بين أوروبا والولايات المتحدة ظهرت مجددا بشكل واضح بعد تولي «ترامب» رئاسة للولايات المتحدة.
وأشار «اللاوندي» إلى المشكلات بالنسبة لملف اللاجئين وأيضا الأزمات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وكل من المكسيك وإيران ورفض ترامب الاتفاق النووي مع إيران والذي يضم دولا من بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا فضلا عن دعوات ترامب للدول الأوروبية بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي والذي لا يريده ترامب أن يكون منافسا للولايات المتحدة الأمر الذي سيفجر خلافات كبيرة وتوترا بين الجانبين ما لم يتراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تلك السياسات.
مساحة الخلاف
ومن جانبه، قال الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة إنه من المتوقع أن يقوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمراجعة كافة الاتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية الأمر الذي سيدخل العلاقات بين الجانبين في مرحلة من التوتر الشديد.
وأضاف أن الحديث عن هيكلة العلاقات بين بريطانيا والتي أصبحت خارج الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وحديث الجانبين عن ضرورة استمرار التقارب والشراكة الأمنية والإستراتيجية ربما يغزي النعرة الطائفية والانفصال عن الاتحاد الأوروبي ومن ثم دخول العلاقات بين الجانبين في مرحلة من الصدام، مشيرا إلى أن هذا المسار الإنفصالي سيبقى متشابكا بين الجانبين خاصة في ظل وجود انتقادات وتحفظات من دول الاتحاد الأوروبي تجاه الولايات المتحدة.
وتوقع «فهمي» أن تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي خاصة ألمانيا وفرنسا خلافات كبيرة في المرحلة المقبلة، موضحا أن هناك اشتباكا بين الجانبين سيظهر في العديد من الملفات من بينها أمن أوروبا ورؤية ترامب بضرورة أن تتولى أوروبا الدفاع عن نفسها وتدفع ثمن التحالف ووجود قوات أميركية على الأراضي الأوروبية وهي مسألة ستكون محل خلاف كبير بين الجانبين.
ولفت «فهمي» إلى أن مساحة الخلاف بين الجانبين الأوروبي والأميركي ستكون واضحة في أزمات الشرق الأوسط مثل ليبيا والخليج العربي وأن دخول بريطانيا وفرنسا في تلك العلاقات سيدفع بالخلافات بينهما، مشيرا إلى أن هناك توقعات بأن تقوم فرنسا وبريطانيا بعمليات عسكرية في ليبيا لمواجهة تنظيم «داعش» الإرهابي وهو ما سيرفضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ورأى «فهمي» أن مساحات الخلافات والاشتباك كبيرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وهي أكبر من مجالات التعاون بين الجانبين وبالتالي ستكون نقاط الخلاف أكبر من نقاط الالتقاء.
اليمين المتطرف
ومن ناحيته، قال الدكتور جهاد عودة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان وخبير العلاقات الإستراتيجية الأوروبية والأميركية إن العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وكل من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، التي أصبحت خارج الاتحاد، مضطربه وليس لها ملامح ولا هيكل في الوقت الراهن وهناك صراع شديد، متوقعا أن تشهد تلك العلاقة تغيرات متصاعد خاصة في إطار انهيار العولمة الليبرالية والتخوف الأوروبي من صعود اليمين المتطرف.
وأشار عودة إلى أن «ترامب» انتقد بشدة حلف شمال الأطلسي»الناتو» بوصفه «منظمة بالية»، ووصف أعضاءه بأنهم حلفاء غير أوفياء يستفيدون من كرم الولايات المتحدة وتأكيده على أن الولايات المتحدة قد لا تحتمل بعد حماية بلدان في أوروبا وفي آسيا دون تعويض مناسب، مقترحا سحب القوات الأميركية ما لم يدفع لها بالمقابل.
وقال عودة «إنه في أحد تفسيرات كلامه، بدا أنه يقصد الإشارة ببساطة إلى القلق الأميركي منذ زمن طويل من أن معظم أعضاء الناتو لا يؤدون الاستحقاق المقرر عليهم بصرف 2 في المئة على الأقل من إجمالي دخلهم القومي على الدفاع، وأنه من هذا المنطلق يشير صراحة إلى ضرورة الابتعاد الأميركي عن تحالفاته مع الدول الأوروبية إذا لم تلتزم بتحمل نصيبها من الإنفاق العسكري بل ويهدد بالانسحاب من الناتو إذا لم يلتزم أعضاؤه بالحد المتفق عليه للإنفاق العسكري.
قلق أوروبي
وبدوره، أكد عبدالمنعم المشاط الخبير بالشأن الأميركي وأستاذ العلاقات الدولية والأمن القومي أن هجوم الاتحاد الأوروبي على إدارة ترامب وتصنيفه بالتهديدات الخطيرة هو تعبير عن حالة قلق أوروبي عميق، خاصة في ظل ترجيحات أوروبية عن علاقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وصعود ترامب إلى البيت الأبيض وتنامي وجهات نظر أوروبية على أن هذه الحالة ستنتج تحالفا «أنجلو ساكسوني» جديدا سيقوض فكرة الاتحاد الأوروبي في حد ذاتها.
وقال «المشاط» إن هناك جانبا آخر من الأزمة، وهو تخوف النخب السياسية الليبرالية في أوروبا من الصعود المتنامي لليمين المتطرف، وتأثيره على نتائج الانتخابات المقبلة في ألمانيا وفرنسا وعدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي من اليمين المتطرف الذى يزحف رويدًا إلى السلطة، ويهدد النسيج الاجتماعي الداخلي في أوروبا.
وتوقع «المشاط» بأن تدفع تلك العوامل مع التهديدات الأمنية على الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط وارتفاع نسب اللاجئين إلى جانب الهزات العنيفة التي عصفت بتماسك حلف الناتو، الاتحاد الأوروبي إلى أن يكون أكثر تحفزا تجاه خطاب الإدارة الأميركية الجديدة.

