أصاب القول المأثور: «كم حُكيت عن الأبنية الشرقية أساطير وحكايات.. وكم أُلّفت عنها قصائد وأغانٍ.. تتغنى كلها بالحب.. والشهامة» كبد الحقيقة، حيث يقف «قصر الوطن» اليوم، شاهداً يجسّد هذه المقولة فناً ومعماراً وثقافة تنطق بالحضارة، وتضوع بعبق التاريخ، وتنبض بروح الوطن.
ولسبر أغوار هذا الرمز الوطني، في أروقة القصر، الذي يقع ضمن مجمع قصر الرئاسة على مساحة تبلغ 380 ألف متر مربع، ويعكس التراث المعماري العربي برؤية معاصرة، تتناسب مع القرن الواحد والعشرين، وبجماليات ناطقة بالأنماط المترفة بالجمال والزخارف والفسيفساء والأشكال الهندسية والألوان المستوحاة من طبيعة المنطقة، حيث تلتحف قباب القصر وأعمدته باللونين الأزرق والأصفر، إذ يوحي الأول بلون عُباب الخليج الأزرق الممتد، ويوحي الثاني بمساحات الرمال ورقصاتها الممشوقة على ظهر الفلاة، لتجسد تلك الألوان رموزاً ثقافية حية في دولة الإمارات، وتحيط بالقصر صروح ممردة بالماء والخضرة والوجه الحسن، تعكس ثلاثية الحلم التي بذل زايد الخير من أجلها الغالي والنفيس، حتى أصبحت هذه الأرض شجرة طيبة، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، تحدت كل الظروف القاهرة، حينما ضرب زايد بعصاه الصعاب، فانفلقت لتشق الإمارات طريقها إلى المستقبل بكل ثقة.. ليأتي هذا الصرح، فينقل جزءاً من الإرث الإماراتي العريق.
150 مليون ساعة كانت فاصلاً زمنياً بين إنشاء هذه الأيقونة المعمارية الوطنية، والتمتع بالغوص في أروقتها التي تحمل بعداً ثقافياً ووطنياً، والتي اكتست بالغرانيت الأبيض باعتباره رمزاً للسلام والنقاء، والحجر الجيري الذي يدوم لمئات السنين، إذ تتدلى من قبابه الثقافة العربية في أبهى حللها، ونحتت على أعمدته النقوش الإسلامية، اعتزازاً بالمورث الفكري، وتفترش أرضياته الرخامية المزخرفة بنقوش متصلة، حُلماً عاد من التاريخ لوهلة، وأبى أن يعود ليعيد الحكاية لزائري القصر، ويرويها مجدداً، حتى تبقى خالدة على مر الزمن.
بخمسة آلاف شكل هندسي طبيعي ونباتي متنوع مستوحى من الطبيعة، تبدأ الرحلة إلى الحلم، إلى الوطن، وبـ 350 ساعة استغرقها صنع كل باب من أبواب القصر المصنوعة من خشب القيقب الصلب، والذي تم اختياره نظراً لمتانته ولونه الفاتح، والمطعم بالذهب الفرنسي عيار 23 قيراطاً، ونقش يدوي متقن، تفتح أبواب التاريخ على مصراعيها، وبأسقف منحوتة «بالمقرنصات»، للمحافظة على هذا الفن الإسلامي القديم، يضوع التراث تاركاً بصمته في قلب وروح كل زائر.


