جدة كتب : ابراهيم محمد الدوي
في زمنٍ تُقاس فيه الأفراح بعدد الحضور، وتتنافس فيه المناسبات في حجمها لا في معناها، تبرز مواقف مختلفة تُعيد ترتيب الفكرة من أصلها.
ما قام به الدكتور جمعان بن رقوش لم يكن مجرد إعلانٍ عن زواج، بل طرحٌ واعٍ في وجه عادةٍ اجتماعية أثقلت كاهل كثيرٍ من الناس. حين اختار أن يكون زواج ابنه في نطاقٍ عائلي، مقتصرًا على أسرتي العروسين، لم يكن يقلل من شأن الفرح، بل يعيد له معناه الحقيقي… حيث البركة أولى من البهرجة، والراحة أصدق من الاستعراض.
وما هي إلا أيام، حتى جاء صدى هذه المبادرة من مسارٍ مختلف، حين أعلن الشيخ أحمد علي الملاس ذات التوجه بان يكون زواج ابنه كذلك قبلها بأيام اعلن احد افراد القبيله الاستاذ على احمد عطيه ان زواج ابنته سيكون عائلياً ، مؤكدًين أن القيم لا ترتبط بمكانةٍ أو منصب، بل بما يحمله الإنسان من وعيٍ وإدراك لمسؤولية الكلمة والفعل.
هنا تتجلى صورة تستحق التأمل:
اختلاف في المواقع… واتفاق في المبدأ.
تنوع في الخلفيات… ووحدة في الرسالة.
رسالة تقول بوضوح:
إن الفرح لا يُقاس بحجمه… بل بصدقه.
ولعل من الطبيعي أن ينقسم المجتمع حيال مثل هذه المبادرات؛ فهناك من يراها خطوة شجاعة تُعيد الأمور إلى نصابها، وتُخفف عن الناس أعباءً أثقلتهم، بينما يرى آخرون أن في تقليص الدعوات تقصيرًا في حق العلاقات الاجتماعية، أو خروجًا عن المألوف الذي اعتادوا عليه.
وهذا التباين في الرأي لا يُنقص من قيمة الفكرة، بل يؤكد حضورها وأثرها، وأنها لامست قضية حقيقية تستحق النقاش.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل مشهدٍ آخر يتكرر؛ حفلات تُرهق أصحابها قبل ضيوفها، وتُثقل كاهل البعض بالتكاليف، وتدفع آخرين للسفر والمشقة، فقط ليُقال إن الحفل كان كبيرًا.
وليس هذا فحسب، بل تُحمَّل بعض الدعوات ما لا تحتمل، حين يُحرص على حضور رموزٍ وشيوخٍ ومشاهير، لا لذاتهم، بل ليُقال إن صاحب الحفل من “ذوي الهامات والقامات”، فتتحول المناسبة من فرحٍ عائلي إلى استعراضٍ اجتماعي يُقاس فيه الحضور لا المعنى.
وكذلك، فحتى من وسّع الله عليهم، قد يقع بعضهم في دائرة المبالغة، لا لحاجةٍ حقيقية، بل انسياقًا خلف صورةٍ ذهنية عن “العظمة”، أو حرصًا على الظهور بما يتجاوز حد الاعتدال.
وهنا تتلاشى قيمة الوفرة حين تُسخَّر للمباهاة، وتفقد المناسبات معناها حين تتحول إلى ميدان مقارنة.
أي قيمةٍ تُرجى من مناسبةٍ تبدأ بالتكلف؟
وأي معنى يبقى بعد أن تنطفئ أضواء الاستعراض؟
ولعل الهدي النبوي سبق إلى هذا المعنى حين قال ﷺ: «أعظمُ النكاح بركةً أيسره مؤونة»، وفي رواية: «أبركُ النساء أيسرُهنَّ مهرًا»، فكانت البساطة سبيل البركة، والتيسير بابًا للسعادة، لا مدعاةً للنقص أو التقليل.
الحقيقة التي نحتاج أن نقولها بهدوء:
ليس كل ما كبرَ عَظُم،
وليس كل ما بَسُطَ قلّ.
فمن يُيسر زواجه، لا يختصر فرحته، بل يفتح بابًا لغيره.
ومن يختار البساطة، لا ينقص قدره، بل يرفع عن غيره حرج المقارنة والتكلف.
إن هذه المبادرات ليست مجرد مواقف فردية، بل ملامح ثقافةٍ يُؤمَل أن تتسع، تُعيد للأفراح روحها، وتُخفف عن الشباب أعباءً أصبحت عائقًا أمام بداياتهم.
وفي الختام، نسأل الله أن يبارك للعروسين، وأن يجمع بينهما على خير، وأن يجعل هذه المبادرات خطوةً مباركة نحو مجتمعٍ أكثر وعيًا وتيسيرًا، يُقدّم البركة على المظاهر، والمعنى على الشكل، ويعيد للفرح صدقه وبساطته
والله الهادي إلى سواء السبيل

