أمام التوتر الذي يشهده الإقليم، مرت الثقافة في العام المنصرم «بهدوء» المتواضعين، ومثل شبح لا يلحظه أحد. ليس لأن الثقافة بلا قضايا ولا أهداف، ولكن لأنها تحولت أمام قائمة الاهتمامات العربية الصاخبة، إلى مجرد «ترف» لا يتسع الوقت له، وفي الإعلام، تحولت الثقافة إلى مجرد «منوعات»، تصلح للنشر متى ما كانت «مسلية»، ويتم إقصاؤها إن استدعت التفكير، أو تطلبت الجدية.
المثقف نفسه بات متهماً بالانفصال عن الواقع. وفي أحيان كثيرة، مسؤولاً عن الخراب في مجالات الحياة الأخرى، في السياسة والاقتصاد، وفي عموم الحياة العامة. برغم أن من ينبرون للطعن في الثقافة والمثقفين، هم في الغالب طامحون لنيل اللقب السحري: مثقف!
تبدو الثقافة يتيمة تماماً، كسيرة، مستباحة، وبلا حماية. ويصح هذا القول إذا ما تحدثنا عن الثقافة العربية، التي تبدو معزولة، إذا ما تحدثنا عن وضعها في عالم عربي يجري وراء الموضة، ويعتد بـ «العلامات التجارية». وهو ما يقود في الأغلب إلى اختصار العلاقة بالثقافة، من خلال تبني علاقة مع نماذج غربية، لا تمثل الثقافة بقدر ما تمثل القيم الاستهلاكية.
ومع ذلك، وبرغم أن العام المنصرم كان صعباً ومكتوباً بحروف مفككة، إلا أن الثقافة في العالم العربي ليست اليوم غائبة، وإن كانت مهمشة، هناك على الأقل قائمة من الأحداث والأجندات التي تواصل العمل، ولو بالحدود الدنيا، ما يبقينا بعيداً عن الاستسلام لفكرة موت الثقافة.
وفي تشخيص سريع، يمكن رصد بعض الظواهر، التي أضرت بالثقافة، وتشكل ضغطاً عليها منذ عقود، أو هي على الأقل تشير إلى معاناتها المؤلمة:
الحواجز السياسية. من المعروف أن التقييم السياسي يسبق التقييم الإبداعي في العالم العربي، وبسهولة، يتم إسقاط مبدعين من قائمة الاهتمام العام، بسبب خياراتهم أو انتماءاتهم السياسية. وهذا يعني، حرفياً، التخلي عن مساحات إبداعية لأسباب غير ثقافية. والغريب أن الأسباب السياسية والمصالح الاقتصادية في العالم العربي، تدفع غالباً للتسامح مع الرداءة الثقافية، ولكن الأسباب الثقافية لا تسعف، حتى في إنقاذ الإبداع.
طغيان الإعلام. على نحو متزايد، شهدت العقود القليلة الماضية، طغيان الإعلام على الثقافة. أصبح الأول أولوية مكتفية بذاتها، رغم ما يقود إليه ذلك من ضعف في المحتوى. بينما تحولت الثقافة إلى مجرد لمسة للتنويع، ومجرد «هواية»، تمتلك إمكانية إعداد الكفاءات اللازمة للإعلام.
التخلي عن الثقافة. لقد أدى تسونامي الإعلام الفضائي، الذي ضرب العالم العربي خلال ما يزيد على عشرين عاماً مضت، إلى إسقاط الثقافة من اهتمامات الإعلام. ووصل الأمر إلى الصحافة الورقية، التي تخلت عن ملاحقها المختصة، وألغت المخصصات المكرسة للثقافة. ووصل الأمر إلى درجة التخلي عن المبدعين من كتابة الرأي، واستبدالهم بـ «نجوم» من مجالات أخرى.
إسقاط الإبداع. شهدت العقود الثلاثة الماضية، وعلى نحو تدريجي، إسقاط الأنواع الأدبية من قائمة الاهتمام الإعلامي، لصالح التوجه المُركّز على الترفيه. برغم الازدهار الذي تعيشه بعض الألوان الأدبية، وشعبية أخرى.
وهو ما تعبّر عنه شعبية معارض الكتب في أكثر من بلد عربي، ومبيعاتها من الألوان الإبداعية، إلى جانب الجوائز التي تتخصص في هذه الحقول. وهو ما يتجلى، كذلك، في لجوء قطاعات رئيسة في الترفيه التلفزيوني، إلى الإبداع الأدبي، لتقديم منتجات مضمونة القبول.
أوهام التواصل الاجتماعي. قادت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي، إلى إغراق المجتمعات العربية في مستنقع الأوهام القاتلة، حيث أدت مشاعية النشاط على هذه المواقع، إلى وقوع المجتمعات العربية بوهم مساهمتها في الإنتاج الثقافي. وهذا الوهم مستشرٍ على مستوى الأفراد بقوة، حيث إن كل مدون يعتقد أنه «مثقف كامل العدة والاستعداد».
انهيار مفهوم الثقافة. اختزلت الثقافة بنطاقات ضيقة شعبوية. بمعنى لا تخرج عن نطاق الوعي العام. وبهذا تحول البعد الإبداعي في الثقافة على كل الأصعدة، الأدبية والفنية والفكرية، إلى نطاق نخبوي منبوذ ومذموم.
ولهذا، فإن توقف الوعي العربي عند حدود مخيبة للآمال، يصبح نتيجة منطقية لأسباب غير منطقية. وبهذا، لم تعد الثقافة تقود الوعي العام وتدفعه أماماً، ولكن تحرس ثباته وتوقفه عند حدوده الراهنة. ما يجعل الفارق الثقافي النوعي والكمي بين مجتمعاتنا العربية وغيرها من المجتمعات (وكثير منها مجتمعات نامية) كبيراً، ويدعو للتشاؤم.
إن كان من الممكن رصد نفس المظاهر العامة للتراجع الثقافي على المستوى العالمي، في هذه الفترة نفسها التي شهدت تحولات عالمية كبيرة، قادت إلى تبني العالم ألوان الليبرالية الجديدة، فإن هذا ليس سبباً للوقوع في وهم التساوي مع العالم ثقافياً.
فهناك فارق بين مجتمعات تعيش مستندة إلى بنية تحتية ثقافية، تشغلها تقاليد راسخة في العمل الثقافي، وربطه في الحياة ومجالاتها، ويحميها وعي ثقافي متماسك ونوعي، ومجتمعاتنا التي لا تزال تنظر إلى الثقافة، باعتبارها مجرد اهتمامات معزولة عن الحياة والتفكير المنطقي الواقعي.
وبالأصل، فإن الثقافة في أغلب بلدان العالم، تمتلك آليات فعالة تحافظ على العمل، بطاقة تلبي الاحتياجات العامة، على الأقل تلك المتعلقة بإغناء الجانب الروحي لدى الإنسان. إلا أن هذا، بالمقابل، لا ينفي أن الثقافة العالمية تضررت في نفس الفترة، وبدرجات ليست قليلة.
ويمكن، هنا، الالتفات إلى النزعات الشعبوية، التي أطلت برأسها في العالم، في ردة فعل على العولمة، وتتغذى على خيبة الأمل التي أحدثتها، إذ إن الشعبوية تمثل، في واحد من مستوياتها، تحريفاً ثقافياً لمفاهيم أصلية، تمثل قيماً إنسانية يعتد بها، مثل «الوطنية» و«العدالة الاجتماعية» و«الاستقلال الوطني» و«الخصوصية الثقافية».
وبالنظر إلى الشعبوية، التي شكلت موجة المهاجرين «المختلفين ثقافياً»، قوة دافعة لها، تشكل بالأساس ردة فعل على العولمة، كانت أكبر خدعة عرفتها البشرية على المستويين الثقافي والاقتصادي، إذ بدلاً من عالم مفتوح متصل على المستويات كافة، قدمت نموذجاً يلغي الحدود الوطنية، ويبطل الأنظمة المحلية لخدمة مراكز عالمية، تهتم بالتغلغل الاقتصادي، وفي الطريق إلى ذلك، تعمل على إشاعة ثقافة ونمط حياة يخدم هذا الهدف.
وبذا، فإن الفارق بين المجتمعات العربية ونظيراتها في كثير من دول العالم، هو أن الأخيرة تستند إلى قاعدة ثقافية، إنما تقوم بتحريفها وحرفها عن مسارها. بينما مجتمعاتنا تتأثر منطلقاتها بالفقر المعرفي، وبشيوع «أنماط جهل ما بعد التعليم».

