جدة : ضيف الله المطوع
في مساحة تتقاطع فيها الدبلوماسية مع المال، والقانون مع الإعلام، والعمل الإنساني مع قضايا الإنسان، تتشكل تجربة الدكتور أحمد بن عبد الرزاق البوقري بوصفها مسارًا متعدد الاتجاهات، لا يجمع بين تفاصيله مجرد تنوع في المواقع والمهام، بل رؤية تحاول قراءة العالم من أكثر من زاوية في آن واحد.
رجل أعمال، ومستشار في العلاقات الدولية، ودبلوماسي، وكاتب صحفي، وسفير للسلام؛ أدوار متباينة ظاهريًا، لكنها في حديثه تبدو مترابطة حول فكرة واحدة أن النفوذ أيًا كان مصدره يفقد معناه إذا لم يُسخّر لحماية الإنسان والدفاع عن الحقوق وصناعة السلام. ومن تجربته في المجال الاستثماري إلى حضوره في الملفات الحقوقية والدبلوماسية، مرورًا بمواجهته القانونية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، يحمل البوقري قناعة بأن المعركة الحقيقية لا تكون دائمًا في ساحات السياسة وحدها، بل قد تبدأ من الكلمة، وتمتد إلى قاعات المحاكم، وتنتهي عند سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الإنسان وكرامته.
في هذا الحوار، يتحدث البوقري عن المشهد الدولي المضطرب، ويطرح رؤيته تجاه الصراعات الإقليمية وتوظيف الدين في السياسة، كما يستعيد جانبًا من تجربته الشخصية في قضية الإرث وما ارتبط بها من إيمان بالعدالة، ويتوقف عند مفهوم الحرية وحدودها حين تتحول من حق في التعبير إلى اتهامات وادعاءات يرى أنها تستوجب المواجهة القانونية.
لكن ما يلفت في حديثه أن الدبلوماسية بالنسبة إليه لا تقف عند حدود المراسم والعلاقات الرسمية؛ فهو يربطها برأس المال، والإعلام، والعمل الإنساني، ويرى أن أدوات التأثير الحديثة أصبحت أكثر تشابكًا من أن تُختزل في السياسة التقليدية وحدها. وبين كل هذه الملفات، يبقى الإنسان حاضرًا باعتباره «بيت القصيد» كما يصفه؛ الإنسان الذي يبحث عن حياة كريمة، وعن عدالة لا تخضع لازدواجية المعايير، وعن عالم لا يكون فيه المال أقوى من الحق.
ومن هنا يأتي هذا الحوار؛ ليس بوصفه استعراضًا لتجربة رجل جمع عددًا من الأدوار، وإنما محاولة لقراءة تلك التجربة من الداخل، وفهم الكيفية التي تشكلت بها رؤيته تجاه الوطن، والعدالة، والدبلوماسية، والسلام، والإنسان.
وللاقتراب أكثر من هذه الرؤية، والوقوف على محطات تجربته ومواقفه من أبرز الملفات التي تشغل المشهد اليوم، كان لنا مع الدكتور أحمد بن عبد الرزاق البوقري هذا الحوار:
من هو الدكتور أحمد بن عبد الرزاق البوقري؟
الدكتور أحمد بن عبد الرزاق البوقري هو رجل أعمال ومستشار بالعلاقات الدولية ودبلوماسي أوروبي ينتمي إلى عائلة تجارية عريقة. يجمع بين النشاط الاستثماري في قطاعات متعددة مثل المال والأعمال والطيران وإدارة المنشآت التجارية والإعلامية (مثل مؤسسة البوقري وشركة المعلنون العرب)، والعمل الحقوقي والدبلوماسي الدولي؛ حيث يعمل سفيراً دولياً للسلام والدبلوماسية الإنسانية، وسفيراً فوق العادة لحماية المقدسات والمنظمة الدولية لحقوق الإنسان، ومستشاراً للعلاقات الدولية في اتحاد الصحفيين والكتاب الدولي، وسفيراً للنوايا الحسنة إضافة لعمله السابق في منظمة التجارة العالمية بجنيف. كما برز بدفاعه القانوني عن المملكة العربية السعودية بصفته الشخصية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2018م ضد حملات التشويه الإعلامي، ومشاركاته في المؤتمرات الدولية آخرها في بروكسل كسفير للسلام العالمي حيث شارك بكلمة خلال المؤتمر الذي يدعوا لمكافحة الفقر ودعم القضايا الإنسانية. ويتبنى رؤية ترتكز على إبراز دور رأس المال والدبلوماسية الناعمة للسلام مع الاعتزاز بالقيادة السعودية والمواقف الصارمة ضد التطرف. وهو أيضاً كاتب صحفي، وقبطان ومؤهل قيادياً في الطيران بمختلف مجالاته (المروحية، المحرك المنفرد والثنائي، الشراعي، والباراموتور) والقفز المظلي والغوص والتزلج، وممارس لركوب الخيل والرماية والعزف والكتابة الشعرية.
كيف تقرؤون المشهد السياسي العالمي المتردي اليوم، وما قراءتكم للتحركات والاعتداءات الإيرانية وأذرعها في المنطقة تحت غطاء الدين؟
ما يدور في العالم من أحداث سياسية هو أمر مقلق ومؤسف ومحزن في نفس الوقت، لكن هذه الصراعات موجودة منذ بداية الخليقة، ونتذكر أول جريمة في التاريخ بين قابيل وهابيل؛ فالنفس البشرية أمارة بالسوء. حيث أن وجود الجشع وغياب العدالة الدولية وسياسة الكيل بمكيالين تجعل كوكب الأرض كأنه بركان لا يحرق إلا الشعوب التي تدفع الثمن دائماً. أما فيما يخص إيران، فنحن نحسبها دولة إسلامية، لكن سلوكها ونهجها لا يمت للإسلام بصلة. إيران دولة معتدية والله لا يحب المعتدين، وللأسف هي دولة متطرفة تدعي الإسلام بينما لا نرى قيم الإسلام في تعاملها؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم لخص الدين بقوله: «الدين المعاملة»، والإسلام دين سلام يدعو للعدل والمحبة والإخاء، وهذه المبادئ لا تمثل الحكومة الإيرانية والمتطرفين فيها إطلاقاً. وبالتأكيد عندما أتحدث عن إيران فأنا أستثني الشعب الإيراني تماماً لأني ضد التعميم، لكن الحكومة الإيرانية ونظام ولاية الفقيه يسعون بوضوح للسيطرة على الحرمين الشريفين ومقدرات وخيرات شبه الجزيرة العربية، ولا يجدون وسيلة لشرعنة ذلك إلا التذرع بالدين، كما نرى من أذنابهم كحزب الله في لبنان والعراق والحوثي في اليمن وغيرهم من المرتزقة الذين يتاجرون بالدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تطرقتم إلى معاناتكم في قضية إرث عائلية ومحاولات الاستيلاء عليه؛ كيف يترجم المواطن ثقته بإنصاف القيادة الحكيمة عندما تصل القضية إلى مرحلة فقدان الأمل؟
باختصار شديد، عندما يصل الإنسان إلى مرحلة اللاعودة أو ضياع الحق وفقدان الأمل، يلجأ إلى العدالة المتمثلة في القيادة الحكيمة. وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، فهذا الحديث الجليل يؤكد أنني وغيري من المواطنين رعية، والراعي هو والد وقائد وملك البلاد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز حفظه الله. فمن الطبيعي أن نلجأ لمصدر العدل والأمان والحزم والعزم من أي تجاوزات تضر بأي مواطن، سواء على المستوى الأسري أو غيره.
بصفتكم سفيراً دولياً للسلام وحماية المقدسات، كيف تتعاملون مع التحديات الحقوقية والإنسانية في ظل واقع دولي متقلب؟
أولاً، بمناسبة اليوم الوطني أرفع أسمى التهاني والتبريكات لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، ولسمو ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، وللشعب السعودي الوفي، وحمى الله الحرمين الشريفين من كيد الكائدين وأدام علينا نعمة الخير والرخاء والأمن والاستقرار. بالنسبة للألقاب والمواقع الدولية الحقوقية والرسمية، فهي تكليف قبل أن تكون تشريفاً، وهي مسؤولية كبيرة لما فيها من تحديات في ظل المزاج السياسي العالمي المتقلب وسياسة الكيل بمكيالين وتغليب المصالح، حيث أصبح “شرع الغاب” هو المتصدر للمشهد للأسف، والشعوب العربية والإسلامية هي من تدفع الثمن غالباً. وعلى كل حال، العدل في السماء ولا نعتمد على قانون الأرض إطلاقاً والله المستعان. أما حماية المقدسات، فالحمد لله الذي أكرمنا بمكة المكرمة والمدينة المنورة وبخدمة حجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد رسوله الكريم. كما حبى الله هذه البلاد الطاهرة بأبناء المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن طيب الله ثراه، ومن بعده أبنائه البررة وأحفاده الكرام. واليوم ولله الحمد، قيادتنا الحكيمة ممثلة بخادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين تضع الحرمين الشريفين في حدقات أعينها.
بناءً على تجربتكم أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، متى تتحول حرية التعبير إلى اعتداء وافتراء يستوجب المواجهة القانونية؟
كان لي الشرف كمواطن سعودي أن أدخل ميدان المواجهة القانونية في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2018م دفاعاً عن وطني المملكة العربية السعودية بصفتي الشخصية، لأني لا أرضى أن يمس هذا الوطن الشامخ بأي أذى. فالجميع يعلم حجم الهجمات الإعلامية الممنهجة ضد المملكة، وكانت لنا صولات وجولات في المحكمة الأوروبية لمواجهة هذا الانتهاك الإعلامي السافر. حرية التعبير أمر مشروع وحق طبيعي، لكن بشرط ألا تتجاوز حدود الآخرين. فهناك فرق كبير بين حرية الرأي وحق التعبير، وبين الافتراء والكذب والتجني؛ فهذه ليس حرية بل اعتداء سافر وتزوير للحقائق من بعض الدول الحاقدة والأبواق التي تسمي نفسها “معارضة في المنفى”. هؤلاء مجرد مجموعة مرتزقة مجتمعين تحت مسمى معارضين في الخارج، ليس لديهم أجندة واضحة أو مصداقية، بل تحركهم جهات محسوبة على دول أو مليشيات تسعى للنيل من وطننا السعودية العظمى، ولكن هيهات، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
هل أصبح رأس المال والأعمال المحرك الأساسي لصناعة القرار والدبلوماسية الإنسانية اليوم بدلاً من السياسة التقليدية؟
نعم للأسف، رأس المال أصبح محركاً أساسياً للسلام وصناعة القرار الدولي أكثر من السياسة التقليدية. فالسياسة التقليدية لم تعد تؤتي ثمارها بسبب غياب الضمير والبعد عن الإنسانية على المستوى العالمي. أما إذا تحدثنا عن العالم العربي والإسلامي، فأقول بمنتهى الصراحة: إن ما يحدث في بعض الدول سببُه البعدُ عن الدين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وكما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله». فالدين الإسلامي فيه السمو والحفاظ على القيم في كل نواحي الحياة. وللأسف، المال في وقتنا الحالي أصبح هو “اللسان لمن أراد فصاحة، والسيف لمن أراد قتالاً”؛ تستباح الشعوب وتنتهك الأعراض والكرامة وتُباع المناصب من أجل المال. وعلى الرغم من صعوبة هذا الموضوع وتشابكه، والتنقل بين المال والأعمال والدبلوماسية والإعلام، إلا أن “بيت القصيد” والهدف الأساسي هو الإنسان والإنسانية. ولي مؤتمر دولي قادم ببروكسل بحضور المفوضية السامية للأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بصفتي سفيراً للسلام العالمي، ونسعى من خلاله لتعديل الكفة لصالح حق الإنسان في الحياة الكريمة، والحد من الفقر، ورفع المعاناة بقدر المستطاع عن إخواننا الفلسطينيين في المخيمات وغزة، وفي الصومال والمستضعفين في مختلف الدول الإسلامية.
وفي ختام هذا الحوار، يؤكد الدكتور أحمد بن عبد الرزاق البوقري أن الإيمان بالعدالة، والاعتزاز بالوطن، والتمسك بقيم السلام والإنسانية، تظل من الثوابت التي يستند إليها في مختلف مسارات حياته العملية والدبلوماسية والحقوقية، مشددًا على أن خدمة الإنسان والدفاع عن حقوقه مسؤولية تتجاوز حدود المناصب والألقاب.
ورفع البوقري أسمى آيات الشكر والتقدير إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظهما الله، تقديرًا لما تحظى به المملكة من قيادة حكيمة جعلت أمن الوطن واستقراره وكرامة المواطن في مقدمة أولوياتها.
كما هنأ القيادة الرشيدة والشعب السعودي بمناسبة حصول المملكة العربية السعودية على بطولة كأس الخليج العربي، معربًا عن اعتزازه بهذا الإنجاز الرياضي الذي يجسد طموح أبناء الوطن وروحهم التنافسية، ومتمنيًا للمملكة دوام التقدم والنجاح والإنجازات في مختلف المجالات.
واختتم الدكتور أحمد البوقري حديثه بالتأكيد على أن الوطن سيظل موضع اعتزاز وانتماء، وأن العدالة والسلام والعمل الإنساني قيم تستحق أن يُبذل من أجلها الجهد، سائلًا الله أن يحفظ المملكة وقيادتها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان والرخاء، وأن يوفقها لمواصلة مسيرتها نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.

