جدة : كتب المستشار الأمني العقيد م إبراهيم الزهراني
ليست قيمة المناسبات الاجتماعية في فخامتها وكثرة حضورها، وإنما فيما تحمله من رسائل، وما تتركه من أثر، وما تقدمه من مبادرات تتجاوز حدود الاحتفال إلى خدمة الإنسان والمجتمع.
وفي يوم الجمعة الموافق ٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ، شهدت منطقة الباحة حفلًا استثنائيًا أقامته قبيلة بالخزمر من زهران، تكريمًا لشيخها الأستاذ محمد بن عيضة بن صالح، بمناسبة تكليفه من الدولة، حفظها الله، شيخًا لقبيلته التي تضم اثنتين وثلاثين قرية تمتد بين السراة وتهامة.
وقد شهد الحفل حضورًا لافتًا من شيوخ وأعيان ووجهاء قبائل زهران وغامد وقبائل أخرى، في مشهد جسّد عمق الروابط الاجتماعية، وبرزت خلال فقراته مشاعر الولاء والانتماء للوطن والقيادة الرشيدة، من خلال الكلمات والقصائد والشيلات الوطنية، مؤكدًا أن الاعتزاز بالقبيلة وتاريخها امتداد للاعتزاز بالوطن ووحدته.
ومن الفقرات المميزة فيلم وثائقي استعرض تاريخ القبيلة وجغرافيتها، وما تزخر به من مزارع ومدرجات زراعية وحصون وقلاع تاريخية، كانت يومًا وسائل لحماية القرى وأهلها، قبل أن ينعم الوطن بالأمن والاستقرار في ظل الدولة السعودية.
وفي كلمته، عبّر الشيخ محمد بن عيضة عن شكره وامتنانه لولاة الأمر على الثقة التي أولوها له، مؤكدًا أن المشيخة مسؤولية وخدمة، وأنه سيكون ابنًا لكبير القبيلة، وأخًا لمن يقاربه سنًا، وأبًا حنونًا لصغيرها. كما أعلن عزمه تطوير برامج القبيلة بما يواكب رؤية السعودية ٢٠٣٠، مستثمرًا طاقات أبنائها وكفاءاتهم، في مفهوم متجدد للمشيخة يجمع بين أصالة الموروث ومتطلبات العصر.
ولعل أبرز ما ميز الحفل أنه لم يقتصر على تكريم الشيخ، بل تحول إلى منصة لإطلاق مبادرات مجتمعية نوعية، من بينها مبادرة «أزهل بالخزمر» التطوعية، التي تستثمر جهود الشباب في خدمة المجتمع ومساعدة المحتاجين والمساندة في حالات الطوارئ، إلى جانب تدشين منصة إلكترونية مجانية لدعم المزارعين والأسر المنتجة وتسويق منتجاتهم.
كما شهد الحفل تدشين جمعية بصمة بر الخيرية، الحاصلة على التراخيص اللازمة، والمعنية بمساعدة المحتاجين، ومن مبادراتها التكفل بتوفير مياه الشرب لمسجد قرية الشهيد لمدة عام كامل، في صورة تعكس انتقال قيم التكافل من المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم.
ومن أجمل صور الوفاء تكريم أول معلم عمل في مدرسة القبيلة، تقديرًا لرسالته التعليمية وما أسهم به في بناء أجيال تولى بعض أفرادها مناصب رفيعة في الدولة.
أما المشهد الأكثر تأثيرًا فكان تكريم أسر شهداء الواجب السبعة من أبناء القبيلة، الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن دينهم ووطنهم، في لفتة وطنية وإنسانية تؤكد أن تضحيات الشهداء ستبقى حاضرة في ذاكرة المجتمع.
وفي سياق الوفاء لرجال الوطن، كنت أتمنى أن يمتد التكريم إلى الجندي مجحود بن صالح غباش الخزمري الزهراني، من قرية الرخيلة، الذي تروي سيرته أنه كان أول من رفع يده في الطابور استجابة لنداء الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، معلنًا استعداده للالتحاق بالجيش والمشاركة في حرب فلسطين عام ١٩٤٨م، حيث أظهر شجاعة وبسالة نال على إثرها، وفق الروايات المنشورة، وسام الملك عبدالعزيز. ولعل المناسبات القادمة تحمل لفتة وفاء تليق بتاريخه؛ فتكريم هؤلاء الرجال حفظ لذاكرة الوطن وتعريف للأجيال بتضحيات من سبقوهم.
وقد تلقى الشيخ العديد من الهدايا العينية والنقدية، من أبرزها سيارة لاندكروزر، إلى جانب هدايا ذات دلالات اجتماعية وتراثية، جسدت ما يحظى به من محبة وتقدير، غير أن مكانة الرجال الحقيقية تبقى فيما يقدمونه من عمل ومواقف.
إن ما قدمته قبيلة بالخزمر في هذا الحفل يعكس وعيًا اجتماعيًا وثقافيًا، ويؤكد أن المشيخة حين تقترن بالحكمة والرؤية والعمل، تصبح رافدًا للتنمية والتكافل وتعزيز الانتماء الوطني.
للشيخ محمد بن عيضة هذه الثقة الكريمة، ولقبيلة بالخزمر هذا الوفاء والتنظيم، ولمنطقة الباحة هذا النموذج المشرف، في ظل رعاية واهتمام سمو أمير المنطقة وسمو نائبه، حفظهما الله.
وختامًا، ليست العبرة بأن نقيم احتفالًا يتحدث عنه الناس يومًا، بل بأن نصنع أثرًا ينتفع به الناس أعوامًا.
حفظ الله بلادنا وقيادتها، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار.

