جدة : كتب ابراهيم الدوي
شدني مقال بعنوان “مصباح محترق وشهادة وفاة”، وكانت فكرته أن المنصب يشبه المصباح؛ يضيء ما دام موصولًا، فإذا انطفأ لم يعد الناس يلتفتون إليه. وضرب الكاتب مثالًا بمسؤول متقاعد ظل يعيش على أمجاد الماضي، حتى جاءه رجل كبير في السن وقال له: لا تقل كنت، فقد كنا جميعًا شيئًا في يوم من الأيام، ثم عدنا أناسًا عاديين.
وهنا أتفق مع الكاتب في جانب مهم، وهو أن الإنسان لا ينبغي أن يظل أسيرًا لمنصبه، ولا أن يرى الناس من خلال الكرسي الذي كان يجلس عليه. فالتواضع هو المنصب الذي لا يتقاعد صاحبه أبدًا.
لكن عندي مداخلة أراها لا تقل أهمية.
فكما أن بعض المتقاعدين يخطئون عندما يعيشون في الماضي، فإن بعض أفراد المجتمع يخطئون أيضًا عندما يتعاملون مع المتقاعد وكأنه انتهى، أو فقد قيمته، أو لم يعد له مكانة. وكأن الاحترام كان للكرسي لا لصاحبه.
وهذه نظرة قاسية، خصوصًا إذا كان ذلك المسؤول قد عرف بخدمة الناس، وقضاء حوائجهم، والتواضع معهم، وأدى عمله بأمانة وإخلاص.
المناصب زائلة، وهذه سنة الحياة، لكن الأخلاق، والسيرة الحسنة، والإنجازات الصادقة تبقى في ذاكرة الناس. ومن الجميل أن يتواضع المسؤول بعد تقاعده، والأجمل أن يحفظ المجتمع له قدره، فلا يبالغ في تعظيمه وهو على رأس العمل، ولا يجحده بعد أن يغادره.
فالكرسي لا يصنع الرجال، ولكنه يكشف معادنهم. ومن خدم الناس بإخلاص، سيبقى محترمًا ولو مضى على تقاعده سنوات، أما من كان لا يرى الناس إلا من أعلى كرسيه، فسيسقط بسقوط ذلك الكرسي.
فلنكن منصفين مع الجميع؛ فلا غرور بالمنصب، ولا جحود بعد التقاعد. ففي النهاية، يبقى الإنسان بأخلاقه، لا بلقبه.
والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل

