جدة : كتب إبراهيم الدوي
عميد شعراء العرضة الجنوبية… ذلك اللقب الذي التصق باسمٍ لن يتكرر في ساحة العرضة،الشاعر الأسطورة محمد بن مصلح الزهراني رحمه الله.
لم يكن شاعرًا عابرًا في تاريخ الجنوب، بل كان مرحلةً كاملة، وصوتًا إذا ارتفع سكتت الأصوات، وإذا حضر اكتمل الحفل. كانت المنصّة تعرفه، والطبول تنتظر إشارته، والجمهور يترقّب ذلك الحضور الذي يحمل معه الهيبة والمتعة معًا.
بلاغته جزلة، ومفرداته متدفقة، ومعانيه تأتيك متلاحقة لا تخطر على بال. وإن كان قليل التعليم، فقد حباه الله موهبةً خالصة، عطاءً ربانيًا صادقًا، جعله يتقدّم صفوف الفطاحلة بثقة الفارس، لا بتكلّف المتصنّع. من ينازله يهابه، وإن لم يُظهر ذلك، لأنه يعلم أنه أمام شاعرٍ يملك سرعة البديهة، وقوة الحجة، وثبات الموقف.
وكانت الشجاعة فيه خُلُقًا قبل أن تكون صفة. شجاع في الكلمة، شجاع في الميدان، شجاع في نصرة المظلوم. أما الكرم فحدّث ولا حرج؛ يقف مع المحتاج وقفة الرجال، وقد يُعطي ما يملك إذا علم أن أخًا له في ضيق. تلك مروءةٌ لا تُشترى، بل تُولد مع الكبار.
وكان أبًا للمواهب، يأخذ بأيديهم ويقول: “هؤلاء خَلَفُنا في هذا الفلكلور الذي يجب أن نحافظ عليه.”
فلم يكن نجمًا يريد أن يبقى وحده في السماء، بل كان يؤمن بأن المجد الحقيقي أن يضيء الطريق لغيره.
اعتز بقبيلته زهران اعتزاز الفارس بأصله، يستحضر بطولاتهم في الجاهلية والإسلام، ويستشهد بمواقفهم في عهد الدولة السعودية الأولى بقيادة الأمير بخروش بن علاس، في فخرٍ صادقٍ لا عنصرية فيه، بل انتماءٌ راسخ وشخصية قوية واضحة.
وقد أنصفته قبيلته زهران بتكريمٍ يليق بمقامه، احتفاءً بهيجًا حضره فطاحلة شعراء الوطن، اعترافًا بمكانته وريادته. كما كان له حضور مشرّف في مناسبات الوطن الكبرى، وشارك في فعاليات
مهرجان الجنادرية، فكان صوتًا من أصوات التراث الجنوبي في محافل المملكة.
وله قصائد وطنية صدح بها في مناسبات عدة، مادحًا ملوك المملكة السابقين، مجددًا الولاء، ومعبّرًا عن صدق الانتماء، في زمنٍ شهد له الجميع فيه بوضوح الموقف ونبل المقصد.
رحم الله محمد بن مصلح… كان كبيرًا في شعره، كبيرًا في شجاعته، كبيرًا في كرمه، كبيرًا في قلبه.
سيبقى اسمه ما بقيت العرضة، وما دقّت الطبول، وما ردّد الرجال أهازيج المجد.
الخاتمة المؤثرة:
وإن الرجال يُعرفون عند الشدائد، ويُخلّدون بما يتركون من أثر، فقد كان محمد بن مصلح أثرًا لا يُمحى، وصوتًا لا يخفت صداه، ورايةً بقيت مرفوعة بعد رحيله. لم يكن مجرد شاعرٍ يُجيد النظم، بل كان رمزًا للشهامة، وعنوانًا للكرم، وصورةً صادقةً لابن الجنوب الأصيل.
رحل الجسد، وبقي الذكر. وغاب الصوت، وبقي الصدى. وستظل ساحات العرضة تذكر أن هنا مرّ فارسٌ من فرسانها، وأن الطبول يومًا كانت تنبض على وقع حضوره.
نسأل الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدّم لوطنه وتراثه وأهله في موازين حسناته، وأن يجزيه عن قبيلته ووطنه خير الجزاء.
ابراهيم الدوي

