للبحث خصوصيته، ومهنة الباحث اتسعت مهمتها وتشعبت عالمياً لتشمل كل المجالات والفروع المختلفة تتوزع بين الصناعية والتكنولوجية والتاريخية والثقافية.. وغيرها من الاشتغالات التي تثري معرفتنا وتسهم في تنشيط التنمية، إلى اكتشافات جديدة تمنحنا فرصة نصحح حقائق كنّا قد كرسناها واعتمدناها طويلاً..
لكن بعض الباحثين الذين لا ينتمون إلى أي جهة مؤسساتية، سوى اعتمادهم على مجهودهم الفردي وما يكابدونه من وقت ومادة، معرضون للنيل من جهودهم مهما علت قيمتها، ما يؤثر فيهم سلباً إن لم تقف الجهات الرسمية معهم وتؤازرهم، بوصف ما يقدمونه جزءاً لا يتجزأ من تطور البحث والتدرج فيه، كي يكتسب صفة المنهجية العلمية السليمة.
لذا على الباحث المستقل المحترف والمبتدئ، أن ينتمي إلى مؤسساتنا الرسمية عبر التواصل ولو عن بُعد، أي إن لم يكن موظفاً فمتعاوناً، ومن الجميل أيضاً أن ينتمي إلى منظمات عالمية تُتابعه وتُقيمه لكي يرتبط وضعه كباحث بمرجعية ذات صفة رسمية، تحفزه إلى المزيد من العطاء والأرشفة والنشر في المجلات والدوريات..
لأن ثقافة دعم الشركات التجارية الكبرى للباحث في دولنا ليست منتشرة، لاعتقاد تلك الشركات أنه لا بد أن يكون هناك ضمان لنتيجة هذا البحث، فضلاً عن تدخلها بتحديد المدة الزمنية لعمل الباحث مهما علت خبرته ونظرياته، الأمر الذي لا يستقيم منطقياً، فقد يطول أمد إنجاز التجارب بحسب دقتها ونوعية النتائج المتوخاة.
ثمة نظرة غير إيجابية من مجتمعاتنا، وليست بالمنصفة تجاه الباحث الذي يعمل بشكل فردي، ورغم ما يبذله من جهود عملية وعلمية معمقة، فهو معرض للنقد المجتمعي القاسي الذي يتخذ من عناصر دينية أو اجتماعية ذريعة لهذا الرفض غير العلمي، وهذا يختلف عن الباحث الموظف الذي يعمل مع فريق بحثي في مركز رسمي أو مختبر للأبحاث أو جامعة.. يبقى محمياً من الهجوم المجتمعي، وذلك لإضفاء الطابع المؤسسي على بحثه.
فمن القناعات المغلوطة لدى الأفراد، والتي يعتقدها البعض، وتوجب التصويب، اعتقادهم أن الباحث هو من يحمل درجة الدكتوراه المتخصصة أو الماجستير أو ما يعادلها، وأنه هو ذلك الذي ينخرط في مهنة البحث المؤسساتي حصراً، وهذا اعتقاد يتقاطع مع الواقع، لأننا نرى الكثير من الأكاديميين الجامعيين أصحاب الشهادات العليا قد توقفوا عن البحث منشغلين بمهامهم الإدارية، باستثناء ندرة من أسماء إماراتية أكاديمية لامعة في المجال البحثي.

