من الواضح أن العلاقات الأميركية- الخليجية فتحت صفحة جديدة في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
فسياسات الرئيس الجديد لا شك ستكون مشتقة من المصالح الأميركية في المنطقة. فكما أوضحت التقارير فإن الولايات المتحدة سوف تدخل عهد الانكفاء على الذات والنظر نحو الداخل أكثر من أي وقت مضى.
وعلى الرغم من أن هذه السياسة ليست بالجديدة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن تطورات الانتخابات الماضية قد أظهرت أن هناك صراعاً داخلياً كبيراً يدور في المجتمع الأميركي، وبالتحديد بين فئتين من فئات المجتمع: الفئة المنفتحة والفئة العنصرية.
الفئة الأولى تمثل التيار التقدمي الذي يرى في أميركا ليس فقط زعيمة العالم الحر، وإنما أيضاً المدافع عن الحقوق المدنية وحقوق الإنسان وحرية الرأي والمعتقد والفكر. كما ترى هذه الفئة أن أميركا يجب أن يكون لها دور تنويري في العالم، لا يعكس فقط نفوذها، ولكن ثقافتها التي قامت عليها.
أما الفئة الثانية، فهي تمثل الفئة المنكفئة على ذاتها كما تمثل عنصرية الرجل الأبيض الذي استطاع أن يحول أميركا إلى ما هي عليه اليوم. وهذه الفئة ترى في وجود الأجانب والمهاجرين والمسلمين والأقليات الأخرى تهديداً خطيراً للمبادئ الأميركية، علماً بأن هذه الفئة الأخيرة هي التي أيدت ترامب ودفعت به إلى سدة الرئاسة.
هذا الصراع الداخلي، لا شك في أنه سينعكس على السياسيات الخارجية. فهناك إجماع عالمي على أن سياسات ترامب سوف تؤثر على العالم بأسره، ولهذا فإن منطقة الخليج لن تكون بمعزل عما سيحدث. فسياسات ترامب تجاه الحلفاء ستكون مغايرة، وهذا في حد ذاته أثار الكثير من القلق خاصة في منطقة الخليج التي كان أمامها خيارات مطروحة، يتمثل أحدها في تطوير منظومة تحالفات بديلة، والخيار الثاني هو الاعتماد على الذات، وهو الأمر الذي يتطلب التقليل بشكل كبير من بواعث عدم الاستقرار الأمني في المنطقة.
الخيار الأول يتطلب عقد الشراكات المناسبة ومع الحلفاء الذين يمكن الاعتماد عليهم، سواء في أوروبا أو آسيا لملء الفراغ الذي سيحدثه الانكفاء الأميركي، وتعد الهند أحد هؤلاء الحلفاء الجدد. أما الخيار الثاني فيتطلب زوال مسببات التوتر، والبدء في صفحة جديدة من العلاقات الإقليمية قائمة على التعاون والحوار الدبلوماسي والشراكات الاستراتيجية.
لكن الإدارة الأميركية سرعان ما خففت من القلق الخليجي. فاتصالات الإدارة الأميركية مع كل من أبوظبي والرياض وسياساتها الرادعة لإيران قد فتحت صفحة جديدة من العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين، الأمر الذي يجعل من ذلك مفتاحاً لبدء مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات الخليجية- الأميركية والتي لا شك في أنها ستكون فاتحة لمرحلة مغايرة من العلاقات ليس مع أميركا فحسب، ولكن مع حلفاء جدد. فقد جاء الوقت الذي يتمكن فيه الخليج من حماية مصالحه بنفسه، ومع حلفاء يثق في قدراتهم، وبأنهم لن يخذلوه مهما تبدلت الأحوال.
إن فترة رئاسة ترامب ستضع العديد من العلاقات الدولية على المحك، وربما تكون العلاقات مع الخليج وجواره الإقليمي إحداها.
وربما تكون إحدى أهم النتائج التي ستسفر عنها، أنها قد توفر لدول الخليج حلولاً لطالما تطلعت لها تلك الدول وتمنت وجودها. فقد اعتمدت دول الخليج تاريخياً على الشراكات القوية مع حلفاء أقوياء، وقد حان الوقت لأن تعيد إيران النظر في سياساتها العدائية، لإتاحة المجال للبدء في اتخاذ بعض الإجراءات، وتبني بعض السياسات التوافقية الإقليمية التي تجنب منطقة الخليج كوارث الحروب، وتوفر لشعوب المنطقة الأمن بعيداً عن مراهنات القوى العظمي.
إن أفضل ما سينتج عن مثل هذا التحول هو منح دول الخليج الفرصة لعقد الشراكات الإقليمية، والتقليل من فرص المواجهات العسكرية، وبناء علاقات مع حلفاء وأصدقاء يمكن التعاون معهم لتوفير منظومة أمنية ودفاعية مشتركة. بالإضافة إلى ذلك فإن الفترة المقبلة ستمنح دول الخليج الفرصة لدراسة العلاقات الدولية من كل أوجهها وتأثيرها على المنطقة ضمن المنظومات الأمنية والعسكرية الموجودة.
بهذا يكون الخليج قد تهيأ جيداً للمرحلة المقبلة.

