الرياض كتب : اللواء م علي بن حسن الزهراني
لم يكن الفرح الذي عمَّ شوارع ومدن المملكة العربيَّة السعوديَّة وتركيا وباكستان عقب الإعلان عن اتفاقيَّة الدفاع المشترك مجرَّد احتفاء باتفاق سياسيٍّ أو عسكريٍّ جديد، بل كان مشهدًا شعبيًّا لافتًا حمل في تفاصيله الكثير من المعاني؛ أعلام ترفرف، وأهازيج وأغانٍ وطنية، ومشاعر فرح تجاوزت حدود الدول الثلاث؛ لتقول إنَّ الشعوب، قبل الحكومات، تدرك قيمة أنْ تتكاتف الدول في زمن تتسارع فيه المتغيِّرات وتتعاظم فيه التحدِّيات.
لكن أجمل ما في المشهد، وأكثره رمزيَّة، أنَّ هذا الحدث التاريخي جاء من مكّة المكرَّمة، أطهر البقاع وقبلة المسلمين، وفي يوم الجمعة، وكأنَّ المكان والزمان أضافا إلى الاتفاقية رسالةً أخرى تتجاوز السياسة والسلاح والتحالفات: أنَّ القوة حين تكون لحماية الأوطان، وصون أمن الشعوب، وحفظ الاستقرار، فإنَّ غايتها الأولى هي السلام.
إنَّ اجتماع المملكة العربيَّة السعوديَّة وتركيا وباكستان في إطار دفاعيٍّ مشترك يجمع بين ثلاث دول كبيرة ومؤثرة، لكل منها ثقلها السياسي والعسكري والاقتصادي، ومكانتها في العالم الإسلاميِّ، ليس حدثًا عابرًا في حسابات المنطقة.
فالمملكة تمثِّل ثقلًا عربيًّا وإسلاميًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا كبيرًا، وتركيا تمتلك قدرات عسكريَّة وصناعات دفاعيَّة متقدِّمة وتجربة واسعة، فيما تتمتع باكستان بثقل بشريٍّ وعسكريٍّ وإستراتيجيٍّ مهم. وحين تجتمع هذه القدرات تحت مظلة التعاون والدفاع المشترك، فإنَّ الرسالة الأساسيَّة ليست البحث عن حرب، وإنَّما تعزيز الردع حتى لا تقع الحرب. وهنا تكمن أهميَّة الاتفاق.
فالعالم اليوم لم يعد كما كان قبل سنوات، والتحوُّلات الدولية أثبتت أنَّ الدول التي تريد حماية مكتسباتها ومصالح شعوبها، لا بُدَّ أنْ تمتلك خيارات متعددة، وأنْ تبني شراكاتها على المصالح المشتركة والقدرة على حماية أمنها وسيادتها.
والقوة في مفهومها الحديث لا تعني الرغبة في المواجهة، بل قد تكون أقصر الطرق إلى منعها. فكلَّما كان الردع قويًّا، أصبحت كلفة الاعتداء أعلى، وكلَّما توحَّدت المصالح والقدرات، ازدادت فرص الاستقرار.
ومن هنا يمكن فهم الفرحة الشعبيَّة التي شاهدناها في الدول الثلاث.
الشعوب لا تحتفل بالسِّلاح لذاته، وإنَّما تحتفل بما يمثِّله من أمان وطمأنينة وسيادة وقدرة على حماية الأرض والمقدرات والمستقبل. وهي تدرك، بفطرتها، أنَّ العالم يحترم الدول القوية المتماسكة، وأنَّ التحالفات المتوازنة حين تُبنى على الاحترام والمصالح المشتركة تستطيع أنْ تكون عنصر استقرار لا مصدر توتر.
ولعل المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تقدِّم من خلال هذا الاتفاق امتدادًا لنهج سياسيٍّ يقوم على تنويع الشراكات وبناء العلاقات المتوازنة، مع المحافظة على استقلال القرار الوطنيِّ، والعمل من أجل أمن المملكة واستقرار المنطقة. كما أنَّ اختيار مكَّة المكرَّمة لهذا الحدث يحمل دلالة تستحق التأمل.
مكَّة ليست مدينة عادية في وجدان أكثر من ملياري مسلم؛ إنَّها قبلة الصلاة، وموطن الحرم الشريف، ومهبط الوحي. ولذلك فإنَّ خروج اتفاق يحمل معنى التضامن والدفاع المشترك من هذه الأرض يمنحه رمزيَّة خاصَّة، ويجعل المسؤولية الملقاة على أطرافه أكبر: أنْ تكون القوة وسيلة لحفظ السلام، وأنْ يكون التعاون بابًا للاستقرار، وأنْ يكون الردع حمايةً للأوطان لا تهديدًا للشعوب.
إنَّنا أمام عالم جديد تتغيَّر فيه التحالفات بسرعة، ولا مكان فيه لمن ينتظر الآخرين ليصنعوا له أمنه ومستقبله.
وما حدث في مكَّة يمكن قراءته باعتباره رسالة واضحة: نحن دعاة سلام، ولكن السلام يحتاج إلى قوَّة تحميه، والأمن يحتاج إلى شركاء يصونونه، والسيادة تحتاج إلى إرادة قادرة على الدفاع عنها.
ولذلك كان الفرح كبيرًا في الرياض، وجميع مدن المملكة، وإسلام آباد، وأنقرة، وكانت الأعلام والأهازيج والمشاعر الشعبيَّة تعبيرًا عن شيء أكبر من توقيع وثيقة؛ إنَّها فرحة بثقة تتشكل، وشراكة تتعزز، ومستقبل يأمل الجميع أنْ يكون أكثر أمنًا واستقرارًا.
ومن مكَّة، حيث تتَّجه قلوب المسلمين كل يوم، خرجت رسالة ينبغي أنْ تصل إلى العالم: لسنا دعاة حروب، ولكنَّنا قادرون على حماية السلام. ولا نبحث عن خصومة مع أحد، ولكن أمن أوطاننا وسيادتها خط أحمر. وحين تتَّحد الإرادة مع القوَّة والحكمة، يصبح السلام أكثر من أمنية… يصبح خيارًا تحميه القدرة.
* ومضة : من مكَّة بدأت الرسالة: سلامٌ نحمله للعالم، وقوَّةٌ تحمي هذا السَّلام.

